سنوات السينما: زنار النار (2004)

0
زنار النار (2004)
الأستاذ والمأزق وتلك الحرب

بينما يطلق المخرج اللبناني بهيج حجيج فيلمه الجديد «غود مورنينغ» قريباً (سيعرض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي المقبل)، من المناسب استعادة فيلمه الروائي الطويل الأول «زنار النار» الذي أخرجه بعد سلسلة من الوثائقيات، من بينها «بيروت: حوار الأنقاض» (1993) و«المخطوفون» (1998).
على كثرة الأفلام اللبنانية التي تناولت الحرب الأهلية (ناهيك عن أفلام عربية وأجنبية)، برهن «زنار النار» على أنه من الممكن أن يفاجئنا بجديد. جديده هو صياغة متينة واثقة مما تريد قوله وطريقة قوله أيضاً وكشف لمواهب في الإخراج وفي الأداء لا يمكن للإمكانات والظروف العامة التي تمر بها السينما اللبنانية، أو العربية بأسرها، أن تحدّها حالما يتوفر نص جيد ومخرج مدرك لما يريد تنفيذه.
بطل الفيلم، شفيق (نداء واكيم) أستاذ فلسفة في الجامعة يعود من منفاه (الجزء المصوّر وغير المستخدم هو عودته من الخارج) إلى بيته في بناية في شارع غير بعيد عن مواقع التماس. يستقبله «ناطور» بناية جديد (حسن فرحات) معرّفاً عن نفسه. شخصية لا يطيقها شفيق لكنه يتعامل معه بقدر من القبول. بعد ذلك هو في الصف يقرأ رواية «الطاعون» على طلاّب صفّه. ما أن يبدأ الأستاذ بقراءة الرواية لتلامذته حتى يشتد القصف ويهرع الجميع إلى الملجأ. لكن ضمن الهلع والهرولة يجد الأستاذ نفسه في غرفة الناطور والاحتكاك بينهما يؤدي إلى ممارسة الحب. لكن شفيق، ووسط ظلام دامس، لا يعرف من هي تلك الطالبة. لاحقاً ما يحاول معرفة هويتها ومواصلة لقائه معها لكن محاولاته تبوء بالفشل. هو الآن لم يعد واثقاً من أن ما حدث حدث فعلاً. في عمق الكتابة، في الرواية كما في السيناريو، يتطوّر شعور بأن الأستاذ الخائف من الحرب إنما يبحث عن بديل هروبي، وهذا البديل هو حب وهمي. مع أحد. مع طرف. مع فكرة. لذلك لا أحد سواه يؤمن بأن ما حدث قد حدث. حتى ولو لم يكن يتوهم فإن المسألة مدفونة في بال الطرف الآخر. معدومة كما لو أنها لم تقع.
الوضع الأمني الفالت وقيام الناطور بفرض سلطته على السكان، وبينهم الأستاذ، تجعل هذا يعيش على حافة انهيار نفسي شديد؛ يفقد أعصابه تماماً ويخرج إلى الشارع (حيث تم إيقافه في مشهد أسبق) وهو يصرخ مطالباً بخروج مسؤول يواجهه. يريد طرح أسئلة ربما عفوية وربما وجدانية لكن أحداً لن يلبي رغبته باستثناء رجل مدني ليست لديه ردود لكنه يهدئ من روع الأستاذ قليلاً.
لا يهدر المخرج وقتاً في تقريبنا من صورة بطله الداخلية. الممثل واكيم قد لا يبدو في الوهلة الأولى كما لو أنه التعبير العميق المطلوب للعب مثل هذا الدور، لكن الشخصية مكتوبة بفهم وثقة بحيث إنها تفرض الحالة الخاصة بها على القواعد التي يعتمدها الممثل. الجاذب في الشخصية هي أنها تعبير عن حالة ذهول من وضع أكبر من طاقة رجل على تحمّله. وتلعب الممثلة جوليا قصّار دورها بإجادة كما عادتها في كل أعمالها مهما كبرت أدوارها وصغرت، وهذا من بين أدوارها المساندة.
يؤلف بهيج حجيج عناصر صورة صحيحة وتصاميم فنية وديكوراتية واقعية. كذلك الموسيقى (فاتشي كالندريان) ليست غالبة والتوليف (غلاديس جوجو) يتبع مدرسة المخرج في التعبير وليس أسلوب المونتير. هذا هو الشكل الذي اختاره حجيج لموضوعه. وهو شكل ناجح واقتصادي حيث الموضوع هو البطل والبطل في مأزق، وليس هناك من أحد ينقذه، ولو أن الجميع سيقبلونه على هذا الوضع من الآن وصاعداً.

قيمة تاريخية: (جيد) | قيمة فنية: (ممتاز)

Loading...

Leave A Reply

Your email address will not be published.