رولان بارت… سيرة جيل ومرحلة

سيرة ضخمة عن فيلسوف البنيوية تبدأ من النهاية

صدرت مؤخراً عن رولان بارت أضخم سيرة حتى الآن: 715 صفحة من القطع الكبير. ومن كثرة ما طنطنوا بها وتحدثوا عنها طلبتها من مكتبة الألفية الثالثة الواقعة مقابل البرلمان تقريباً في وسط الرباط العامرة. فجلبوها لي بعد فترة قصيرة. من ميزات هذا البلد الجميل أنك تستطيع أن تحصل فيه على الكتب العربية والفرنسية في آن معاً. إنه بلد الانفتاح والتسامح وتلاقح الأفكار والحضارات، وليس بلد الانغلاق والتعصب والجهل. إنه وريث الحضارة الأندلسية التي أشعت على العالم يوماً ما ووصلت بالعبقرية العربية الإسلامية إلى الذروة. لقد أمضيت وقتاً ممتعاً مع رولان بارت، حيث إن سيرته هذه شغلتني لأيام عدة متوالية ولا تزال. وأكاد أقول إني قرأت سيرتي الذاتية أيضاً من خلال سيرته. فنحن الطلبة السوريين أو العرب الذين وصلوا إلى فرنسا في أواسط السبعينات من القرن المنصرم لم نجد أمامنا تقريباً إلا رولان بارت وميشيل فوكو. كانا آنذاك في أوج مجدهما. وكانت البنيوية تشغل الساحة كلياً من خلالهما. أما سارتر، فكان على وشك الغروب. فقد مات عام 1980 بعد أربع سنوات من وصولي إلى العاصمة الفرنسية. وبالتالي، فكان شريط الذكريات الباريسية يتوالى أمام عيني أو في ذاكرتي وأنا أقرأ هذه السيرة الضخمة التي هي سيرة جيل بأكمله ومرحلة بأسرها. بقي أن نقول إن مؤلفتها هي الباحثة تيفين سامويولت، الأستاذة في جامعة السوربون الجديدة، باريس الثالثة. وهي الجامعة ذاتها التي تخرجت فيها أنا شخصياً عام 1981 ونلت شهادة الدكتوراه عن اتجاهات النقد العربي الحديث بين عامي 1950 – 1975… كانت ذكرياتي الشخصية تختلط بوقائع الكتاب ذاته. لا أزال أتذكر ببعض اللوعة والدهشة كيف صدمتني البنيوية آنذاك. بدت لي جافة، قاحلة، أكثر من اللزوم. لحسن الحظ، فإن بارت لم يتوقف عند المرحلة البنيوية وإنما تجاوزها ككل كاتب نابغ يعرف معنى الأدب و«متعة النص» إذا ما استعرنا أحد عناوين كتبه. تفتتح المؤلفة كتابها بفصل كامل عن موت رولان بارت. بمعنى أنها تبتدئ من النهاية لا من البداية. ومعلوم أنه مات بحادث سيارة لم يرها للأسف وهو يحاول أن يعبر الطريق. فقد كانت مختبئة وراء سيارة أخرى. وكان ذلك بعد غدائه الشهير والأخير مع زعيم الحزب الاشتراكي فرنسوا ميتران الذي سيقفز على رئاسة الجمهورية الفرنسية بعد بضعة أشهر فقط. ومعلوم أن قسم من السياسيين ملاعين ويحاولون دائماً استقطاب كبار المثقفين إلى دائرتهم لنيل المزيد من الشرعية والبريق. كل مرشح يتفاخر على منافسه بعدد المثقفين المشاهير الذين ينضمون إليه. ويبدو أن بارت قال لأحد أصدقائه بالتلفون: لا أعرف لماذا دعوني إلى هذا الغداء؟ أعتقد أنهم يريدون توريطي مع ميتران ضد جيسكار. المهم أنه لا أحد ينجو من قدره ومصيره. والمكتوب مكتوب كما يقال. فلو تخلف عن هذا الغداء المشؤوم الذي حضره مثقفون آخرون، من بينهم جاك بيرك لما كان حادث السيارة، ولما توقفت حياة رولان بارت عام 1980 عن أربعة وستين عاماً فقط. وهو عمر قصير قياساً إلى متوسط العمر في الدول المتقدمة: 80 عاماً أو أكثر. جاك بيرك عاش 85 عاماً، وأتيح له الوقت الكافي لوضع كتبه وقول كل ما يريد قوله عن العرب والإسلام.

على أي حال، لنعد إلى البنيوية والنقد الجديد الذي دشنه بارت وآخرون. في الماضي كان غوستاف لانسون أستاذ طه حسين هو المسيطر على النقد الأدبي في السوربون. فجاءت البنيوية لتحطيمه. لماذا؟ لأنه كان يركز كثيراً قبل قراءة النص على مؤلفه وحياته والأحداث التي مر بها في حياته ومحاولة ربطها. فكلها، بحسب رأيه، ذات تأثير كبير على تأليف النص شعراً كان أم نثراً. بمعنى، لكي أفهم أعمال بلزاك ينبغي أولاً أن أقرأ حياة بلزاك والتجارب التي مر بها من كبيرة أو صغيرة. فلا يمكن فهم النص قبل فهم المؤلف الذي كتبه. قد تقولون: وما العيب في ذلك؟ إنه تحصيل حاصل. إنه كلام منطقي لا غبار عليه. وأنا معكم تماماً. لكن صرعة البنيوية أوهمتنا بالعكس. لقد حاولت أن تقنعنا ضد كل منطق أنه لكي ندرس نصاً ما ينبغي أن نشطب على مؤلفه تماماً. فهذا شيء ثانوي لا أهمية له في نظرها! وقد وفدت هذه الفكرة على الساحة الباريسية من جهة الشكلانيين الروس الذين كانوا يقولون ما معناه: ليس المهم الكاتب وإنما الأدب، أو بالأحرى أدبية النص. ولكي نكتشف سر هذه الأدبية أو الشحنة الشعرية ينبغي أن نشرّح النص تشريحاً علمياً بلاغياً لا هوادة فيه. وهذا يشبه نظرية النظم عند ناقدنا العربي الكبير عبد القاهر الجرجاني. وحتى هنا، فإن النظرية صحيحة وموفقة. لكن المشكلة هي أن البنيويين الباريسيين بالغوا في هذا الاتجاه حتى حوّلوا النص إلى مجرد تعداد للفواصل والنقط والحروف كما فعل كلود ليفي ستروس في تحليله الشهير والبغيض لقصيدة بودلير: القطط… وهذا ما أدى إلى انحسار البنيوية في نهاية المطاف. فقد ملت الناس منها ومن جفافها ومن تحويلها الأدب إلى معادلات رياضية جافة وغير مقنعة في نهاية المطاف بعد أن فقدت مصداقيتها. بمعنى آخر، فإنهم قضوا نهائياً على أدبية الأدب، على طراوة الشعر وجمال الإبداع الخلاق. ولهذا السبب؛ تخلى عنها بارت نفسه وانتقل إلى مرحلة استذواق النص أو متعة النص. وذلك؛ لأنه كان كاتباً كبيراً وليس فقط مجرد ناقد أدبي أكاديمي بارد. أو قل كان هذا وذاك في الوقت ذاته أو تباعاً.

لقد أُخذ على بارت في عز الصرعة البنيوية، أنه وقع في مطبات عدة. والدليل على ذلك تصريحاته الارتجالية الصاعقة التي تقول مثلاً إن اللغة فاشية! ما هذا الهراء يا سيد بارت؟ اللغة ليست فاشية إلا إذا استخدمت بشكل فاشي من قبل موسوليني أو هتلر أو أشكالهما.

اللغة يمكن أن تعبر عن الفاشية والديمقراطية. كل شيء يعتمد على طريقة استخدامها والأفكار التي نعبّر عنها فيها. فمن الواضح أننا لا نستطيع أن نعبّر عن أي فكر إلا من خلال اللغة. ولذلك؛ قال أرسطو إن الإنسان حيوان ناطق على عكس الحيوان الذي يعبّر بالإشارات والأصوات ولا يستطيع أن يصل إلى مستوى اللغة. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الحيوان – والإنسان. ثم أتحفنا بارت بعبارة أخرى لا تقل صرعة وغرابة وهي موت المؤلف. وهي تشبه عبارة فوكو عن موت الإنسان التي اختتم بها كتابه الشهير: الكلمات والأشياء… وإذا كان بارت يقصد بموت المؤلف موت الفكرة التقليدية المشكّلة عنه التي تعتبره خالقاً مطلقاً للنص الموقّع باسمه فلا اعتراض لنا على ذلك. فالواقع أن النص، أي نص، يحيلنا إلى شبكة فسسيفسائية من الاستشهادات المأخوذة عن نصوص أخرى قرأها المؤلف وتأثر بها قبل أن يكتب نصه. لا يوجد مؤلف يخلق نصه من العدم مهما كان إبداعه خارقاً. كلنا نتأثر بمن سبقنا أو جايلنا. نقول ذلك على الرغم من أن المبدعين الكبار أقل تقليداً لسواهم من المبدعين الصغار. بهذا المعنى، فإن نظرية موت المؤلف لا تنطبق على شاعر ضخم مثل المتنبي مثلاً. فهو فعلاً خلق نصه بعبقريته الخارقة التي لا تضاهى. إنه لا يتكئ على سواه مثل الآخرين من صغار الشعراء. الكلام نفسه يقال عن أبي تمام أو المعري بعد أن تخلص من تأثير المتنبي، إلخ… وبالتالي، فإذا كان المقصود بموت المؤلف موته بصفته مؤلفاً وحيداً للنص من دون أي تأثر صريح أو ضمني بمن سبقوه فلا غبار على الفكرة. لكن إذا كان المقصود به موته في المطلق أو نفي أهميته فهذا هراء لا يصمد أمام الامتحان. اذهب وقل لبلزاك إن نصه ليس نصه، أو لتولستوي، أو لرامبو، أو لبودلير، الخ… سوف يبصقون عليك في وجهك. اذهب وقل لهم إنه لا علاقة لنصوصهم بسيرتهم أو بتجاربهم الحياتية المعاشة. سوف ينظرون إليك شزراً. هذا أقل ما يقال. فنصوصهم هي عصارتهم، هي زبدة حياتهم، هي جوهر وجودهم على هذه الأرض.

من يستطيع أن ينفي العلاقة بين روايات دوستيوفسكي العبقرية والتجارب الحياتية الهائلة والمرعبة التي مر بها؟ الشيء نفسه يقال عن كل المبدعين الكبار. لهذا السبب سقطت البنيوية كموضة بعد أن طغت وعربدت وزادت عن حدّها حتى انقلبت إلى ضدها واشمأزت الناس منها. وقد شهدت سقوطها بأم عيني في باريس في المنعطف الفاصل بين الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وقلت بيني وبين نفسي: سبحان الله: في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح.

وقلت أيضاً: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ». صدق الله العظيم. لكن المشكلة هي أن النقد العربي البنيوي لا يدرك كل هذه التفاصيل فيظل سائراً خلف الصرعات الباريسية بنوع من التقليد الأعمى والعبودي… متى سيستفيق البنيويون العرب من غفلتهم؟

أخيراً، كنت أتمنى لو أمتلك الوقت الكافي للتوقف عند عن علاقة بارت بسارتر، أو بميشيل فوكو، أو بفيليب سوليرز، الخ… ومعلوم أن المؤلفة خصصت فصولاً مطولة لكل واحدة من هذه العلاقات المهمة. كنت أتمنى أيضاً لو أستطيع التوقف عند علاقته بأمه التي كان يعبدها عبادة والتي كانت الحب الأساسي وربما الوحيد في حياته. ولها كرّس كتابه الأخير: الغرفة المضيئة.

Loading...
Comments