Loading...

من خذل عصام محفوظ… أمته المهزومة أم شياطينه الحرون؟

0

صدرت أعماله الشعرية في الذكرى الثالثة عشرة لرحيله

قد تكون الكتابة عن عصام محفوظ مغامرة شاقة، يتطلب الخوض فيها كثيراً من الحذر ومجانبة المزالق والمطبات، ليس فقط لأن تناوُل الكتّاب الراحلين بالنقد يتطلب كثيراً من الحذر والتجرد الموضوعي، ما دام هؤلاء لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، بل لأن الهوية إلابداعية المركبة لمحفوظ، والمهمات الكثيرة المعقدة التي تنكبها عامداً، تحولان مهمة الإحاطة به إلى واحدة من أصعب المهمات وأكثرها تعقيداً. فهذا الرجل الذي هبط من ريفه الجنوبي إلى المدينة في سن مبكرة، بدا وكأنه يريد في وقت قياسي أن يسهم بشكل مؤثر فعال في تظهير الصورة المشرقة لبيروت الخمسينات والستينات، قبل أن تطيح به وبها قبضة الحرب الدامية. لا، بل إن إقامة محفوظ على الأرض، وهو الذي هجم على المدينة بكل جوارحه وجموحه الفطري، كانت تترنح في دلالاتها الرمزية بين ذئبين اثنين: ذئب هيرمن هيسه في توثبه الشهواني، وذئب آلياس الديري في عودته متعباً مهيضاً إلى العرتوق.

وبين الهجوم والانكفاء، لم يكترث صاحب «الزنزلخت» بالعثور على فرصة للراحة أو التقاط الأنفاس، ولم يحرص على إيلاء جسده الذي أثخنته الطعنات ما يستحقه من العناية والاهتمام. وحيث إن الحياة لا تكاد تكفي لضرب واحد من ضروب الإبداع، لم يتوانَ عن خوض معاركه مع اللغة على جبهات عدة، «أيسرها في القلوب أقتلها»، على حد قول أبي فراس، محاولاً أن يكون الشاعر والكاتب المسرحي والناقد الطليعي والصحافي وكاتب المقالة والمناضل التقدمي في آن واحد.

ولم يكن محفوظ يتجاوز الثامنة عشرة من عمره حين قرر الانضمام إلى مجلة «شعر»، التي أسسها يوسف الخال في النصف الثاني من خمسينات القرن المنصرم، ليكون بذلك أصغر المنضوين في المشروع التحديثي الذي نقل الشعرية العربية من طور إلى طور.

وإذا كانت هذه المقالة لا تتسع للحديث عن مسرح عصام محفوظ، الذي تتجلى فيه الجوانب الأهم من موهبته، وعن دعوته الجريئة إلى اجتراح لغة ثالثة، تسمى «الفصحى الشعبية»، وتفيد من عمارة الفصحى التراثية، ومن دينامية المحكية وراهنيتها، فسيكون من الملائم أن أشير إلى إسهاماته النقدية الغزيرة التي تعكس بوضوح عمق ثقافته، ووفرة اطلاعه على الأدبين العربي والعالمي، وهو ما تكشف عنه مقالاته الصحافية ومؤلفاته التي تعدّ بالعشرات، على حد سواء. ولعل أكثر ما يستوقف المرء هو أن الالتزام الآيديولوجي الماركسي لصاحب «الكتابة في زمن الحرب» لم يقده إلى إلحاق الفن بالسياسة، والإبداعي بالوظيفي، بل ظل يرى في الشعر والفن تقصياً رؤيوياً، ومغامرة جمالية ليست بعيدة بالضرورة عن الالتزام بقضايا الإنسان في بحثه عن العدالة والخبز والحرية. والحقيقة أن بعض آراء محفوظ تثير كثيراً من الإشكالات، كمحاولته التأكيد على ماركسية رامبو في كتابه «رامبو بالأحمر»، باعتبار أن الأول سعى إلى تغيير العالم، والثاني عمل على تغيير الحياة، ولكن يُحسب له في هذا المجال نزوعه السجالي، وجرأته في التعبير عن قناعاته.

أما في نقد الشعر، فقد رفع محفوظ السقوف عالياً إلى الحد الذي جعل الشعراء الحقيقيين يقتصرون – وفق معاييره – على قلة نادرة، يقف محمد الماغوط في مقدمتها. فمعظم الشعر العربي الحديث في نظره هو ثرثرة غنائية سطحية الانفعال. والسياب – وفق معاييره – يقف على أرض الغنائية الصغيرة ذات البعد الواحد، ويصر على استخدام «الألفاظ المحنطة» والأسلوب التقريري والصور غير الموفقة. وصلاح عبد الصبور خسر الشعر، ولم يربح المسرح. ودواوين البياتي، باستثناء «أباريق مهشمة» ليست سوى تكرار لفكرة واحدة. ومع أن محفوظ لا يغفل الجوانب الإيجابية المقابلة عند هؤلاء وغيرهم، فإن رفعه المفرط لسقوفه النقدية يجعل من المشروعية بمكان السؤال عما إذا كان نتاجه الشعري مطابقاً للمواصفات والشروط التي تضمنتها أعماله وكتاباته النقدية.

يروي يوسف الخال، بأسلوب طريف لا يخلو من الغمز الماكر، قصة دخول محفوظ عليه في مقر المجلة أواخر الخمسينات، وكيف سلمه كدسة من القصائد، وتمنى عليه نشرها في ديوان. وبعد أن استمهله الخال لبضعة أيام، فاتحه حين التقيا ببعض الثغرات التي تعتور نصوصه، وبينها ما تعانيه من اضطراب أو خلل في الأوزان، طالباً إليه تعديلها أو استبدالها أخرى بها، أو الذهاب إلى قصيدة النثر كخيار بديل. وإذ رفض محفوظ إجراء التعديلات،

لم يتحرج صاحب «البئر المهجورة» من مخاطبة الشاعر الشاب بالقول إن عنوان «قصائد ميتة» إنما يعكس وضع قصائده الفعلي، وإنه (أي الخال) يبذل جهداً مضنياً في إقناع أركان المجلة الكبار بقبوله كواحد منهم. لكن محفوظ الذي عمد غاضباً إلى إحراق المجموعة، واعترف بحصول الحادثة، ما لبث في رد عاتب أن يذكّر الخال بأن أركان المجلة، بمن فيهم المؤسس، ما لبثوا أن كرسوه شاعراً إثر نشره لقصيدته «وعضت زليخة على الزهرة» في أحد أعدادها. كما لفته إلى أنه كان الشخص الوحيد الذي وقف إلى جانبه حين انفض الآخرون عنه، عند توقف المجلة عن الصدور أواخر عام 1964. وإذ تكشف هذه الحادثة عن المعايير الموضوعية العالية التي كان يُنظر من خلالها إلى أي تجربة شعرية فتية واعدة، فهي تؤشر في الوقت ذاته إلى أن محفوظ رغم حداثة سنه، وموقعه المتأخر بين أقرانه، كان شديد الاعتداد بموهبته وإمكاناته، شديد العناد فيما يتعلق بكرامته الشخصية. على أنه لا بد من السؤال عما إذا كانت حساسيته المفرطة التي دفعت به إلى الاشتغال المرير على لغته وثقافته وأسلوبه، ودفعت به إلى الواجهة على صعد المقالة والنقد والتأليف المسرحي، قد مكنته بموازاة ذلك من الاندفاع إلى واجهة المشهد الشعري الحداثي، أم أن ما يصح في حساب المسرح والنقد والمقالة لا يصح في الحساب الأكثر تعقيداً وإشكالية للتجربة الشعرية؟

إن قراءة متأنية لبواكير عصام محفوظ الشعرية لا تكشف عن بصمته الخاصة على صعد اللغة والأسلوب ومقاربة العالم، بل ثمة صيغ شائعة، وعبارات مألوفة، وتكرار نمطي للإيقاع. وكعادة الشعراء الذين يُنتزعون بقسوة من عوالمهم الريفية الهانئة، ليقطنوا مدناً صماء لا تصغي لأوجاعهم وشكاواهم، يعمد الشاعر الفتي إلى هجاء المدينة التي لا يرى فيها سوى صورة المواخير والانحلال الأخلاقي، وفساد الأرواح، والمتاجرة بالأجساد، مستعيداً بذلك مناخات الشعر الرومانسي والمهجري التي ترنو إلى القيم في تقابلها الضدي، حيث العالم موزع نصفياً بين الفضيلة والرذيلة، بين الخير والشر. وفي الإطار الشكلي، يلح الشاعر على البحور المجزوءة والشطور القصيرة التي تعيق النمو الدرامي للنصوص، في حين أن التجاور الرتيب بين القوافي يجعلها أقرب إلى السجع منها إلى الشعر: «من قال إني عجوزْ انظرْ لهذا الكوزْ والآخر الأحلى انظرْ ألا تنظرْ لسكْبة المرمرْ أرجوك لا تسْكر أنت أنيق ظريفْ وعاد همسٌ خفيفْ كوشوشات الحفيفْ كغمغمات الطريقْ في غسق الليلِ يمشي على مهلِ ربما كان اثنانْ في الدرب عاشقانْ». أما صورة الريف بالمقابل، فلا تحيل إلى هناءة الحياة ورغدها، بقدر ما تحيل إلى عالم الفقر والعمل المضني والوحشة الباردة. وفي حين تحافظ القصائد الريفية على طابعها الغنائي الرومانسي، فهي تبدو أكثر تلقائية وحميمية من قصائد المدينة، وإن كان بعضها يذكّر ببواكير السياب، وترجيعاتها المترعة بالشجن: «وفي الغرف المسدلات الستور تباع وتُشرى هناك القبور كفى يا ابنتي! أغلقي النافذة على مهَلٍ في عيون الحبيبْ وفي وشوشات المساء الغريبْ تمر الرياح، تمر السنونْ وتستدفئ العثُّ بطن الخزانة عند المساء».

أما قصائد «أعشاب الصيف» اللاحقة، فلا تعكس من جهتها أي نقلة نوعية في تجربة عصام محفوظ.

فالعناوين المختارة لا تحيل القارئ غالباً إلى موضوعات القصائد ومناخاتها، فضلاً عن الطابع الذهني للنصوص الذي يجعلها تبدو متشكلة في عقل الشاعر وتصاميمه المسبقة أكثر من كونها تعبيراً عن لهب الداخل واحتداماته. كأن للكتابة هنا مرجعية فكرية وموضوعية، لا مرجعية عصبية أو قلبية متصلة بجيشان المشاعر واحتدامها.

ومع أن معجم الشاعر وصوره يُنتزعان غالباً من عناصر الواقع المحسوس ومفرداته، فإن النصوص لا تفلح في تظهير المعنى، ووضعه في سياق محوري مقنع.

ولعل مجموعة «السيف وبرج العذراء» التي صدرت في مطالع الستينات هي التي حققت النقلة الأهم في تجربة محفوظ، سواء من حيث التعبير عن غربة الشاعر وتشظياته النفسية وهواجسه الوجودية، أو من حيث تطوير الأدوات الفنية والبنية التعبيرية وتشكيلات الإيقاع، كأن نقرأ نصاً من مثل: «تدور بي الريحُ تحمل كنزي إلى بابها والمرايا تقيحُ صدى عالم في غياب المكانْ تصوّره حلقات الدخانْ مضيئاً بأبراجه المائلة تحطّ عليه الرؤى الراحلة بين آنٍ وآنْ».

كما يعمل محفوظ على الإفادة من التقنيات المسرحية ولغة الحوار وتعدد الأصوات في قصيدته «فصل في الجحيم» التي يحاول من خلالها أن يقتفي خطى رامبو على طرق التيه والبحث عن الخلاص. ومع أنه يحرص في مجموعة «الموت الأول» على استثمار إمكاناته المسرحية ومخزونه المعرفي، واستخدام أسلوب التناص مع مبدعين عالميين، إضافة إلى الجمع بين الشعر الحر وقصيدة النثر، فإن معظم نصوصه ترزح تحت وطأة التركيب والتعسف الذهني والتأليف البارد. أما كتابه «يوميات عبد الرحمن الخارج» الذي يتخذ من مؤسس الدولة العربية في الأندلس قناعاً للشاعر، فهو يقع على التخوم الفاصلة بين قصيدة النثر في تقطيعاتها الصوتية وجنوحها إلى التكثيف، وبين النثر الأدبي المتقن. على أن قدْراً من الحرارة والبوح الوجداني يشيع في ثنايا النص الأخير، وهو أمر تعود أسبابه على الأرجح إلى إقامة الشاعر في باريس، وشعوره في تلك المرحلة بالغربة، وبوطأة الانفصال عن الوطن الأم.

ولا يمكن – أخيراً – أن أختتم هذه المقالة دون الإشارة إلى أن القرار الذي اتخذه عصام محفوظ بالعزوف عن كتابة الشعر، وهو بعد في أواخر عشريناته، إنما يدل على قدرٍ عالٍ من النزاهة والصدق مع النفس.

صحيح أنه سوغ لعزوفه ذاك بعدم جدوى الشعر في زمن الهزائم الكبرى، وبكون «الشعراء الحقيقيين في هذه المرحلة هم الشهداء»، ولكن ذلك لا يقلل من شجاعة الخطوة المتخذة، بالقياس إلى المئات من منتحلي الصفة الذين لا يكفون على امتداد العالم العربي عن رفد المطابع بكمّ لا يحصى من المؤلفات الملفقة البائسة.

ومحفوظ الذي عزف عن كتابة الشعر بعد هزيمة حزيران، ما لبث أن اتخذ قراراً مماثلاً بالتوقف عن الكتابة المسرحية في أوج الحرب الأهلية الطاحنة في لبنان. فهو، مستبقاً قرار زياد الرحباني المماثل، كان يعلن أن شرط ازدهار المسرح هو ازدهار المدينة بنصابها المجتمعي والثقافي وطبقتها الوسطى، وأن سقوطه المأساوي ليس سوى النتيجة الطبيعية لسقوط المدينة وتشظيها.

ومع ذلك، فقد وجد في الصحافة الثقافية بديله الملائم، كما أن قلمه السيال لم يتوقف عن الكتابة في موضوعات الفكر والسياسة والنقد الشعري والروائي والمسرحي حتى نهاية حياته. وفي كل ما كتب، سواء نجح أم أخفق، لم تكن عيناه مثبتتين إلا باتجاه الحرية، ولم يكن قلبه مسدداً إلا باتجاه الحب وكرامة الإنسان.

Loading...

Leave A Reply

Your email address will not be published.