Loading...

شوقي أبي شقرا… صياد الدهشة وشاعر العبث الطفولي

0

هل كان «القلم الأحمر» إحياءً طقوسياً لذكرى أبيه القتيل؟

ينتمي الشاعر اللبناني شوقي أبي شقرا إلى ذلك الجيل التأسيسي الريادي الذي ترافق صعوده مع فورة الازدهار القصيرة التي شهدها لبنان بُعيد استقلاله، مستفيداً من موقعه الحساس ومن تنوعه الإثني والثقافي، ومن دوره الاستثنائي وسيطاً حاذقاً بين عالمي الشرق والغرب. ولعل البلد الصغير لم يكن لينجح في لعب ذلك الدور المتميز لو لم تتوفر له عناصر النجاح التي تمثلت بازدهار صحافته وتعدد جامعاته ومعاهده وانفتاحه على ثقافات العالم ولغاته الحية، ولولا تنعمه بقدر وافر من الحرية والتنوع الإثني والمعرفي، فيما كان العالم العربي آنذاك متقوقعاً على نفسه، رازحاً تحت وطأة الاستبداد، ومتوجساً من أي تغيير حقيقي. لذلك لم يكن تأسيس مجلة «شعر» آنذاك سوى الترجمة الطبيعية لما تحمله الأجيال الشابة من هواجس وأحلام وتطلعات. ولم يكد يوسف الخال يعلن عن مشروعه، حتى كان أبي شقرا، وهو بعدُ في النصف الأول من عشريناته، يستجيب للدعوة الجديدة التي عملت على بناء مشروع عربي حداثي، يشكل الشعر متنه وعمقه وواسطة عقده. وقد بدا واضحاً يومها أن إسهامات شوقي في المجلة لم تكن تقتصر على النصوص الشعرية، وبعض القراءات النقدية المتباعدة لعدد من المجموعات الصادرة في حينها، بل كانت تتعدى ذلك لتتصل بقراءة النصوص وما تستلزمه من تدقيق وتنقيح لغوي، كما يعبر الشاعر نفسه في غير مناسبة وحوار.

وبعد توقف «شعر» عن الصدور وتسلّم أبي شقرا مهمات ثقافية محورية في «الزمان» و«النهار»، ملحقاً وصفحة ثقافية يومية، ظل الشاعر القادم من مزرعة الشوف إلى بيروت يتربع لسنوات على سدة «السلطة» الثقافية في واحدة من أعرق المنابر الصحافية اللبنانية وأكثرها تأثيراً في المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية. وقد اكتسب قلمه الأحمر شهرة واسعة وهو يُعمل تصحيحاً وتعديلاً وتشطيباً في مئات النصوص التي ظلت تتكدس أمامه ومن حوله لأكثر من 40 عاماً من الزمن. ويحق لنا أن نتساءل في هذا السياق عما إذا كان اللون الأحمر يرمز إلى منع الأخطاء من المرور، أم هو إحياء طقوسي لدم أبيه الدركي الذي قضى في حادثة مروعة ولم يأخذ طريقه إلى التخثر؟ ولقد ظل شوقي بجسده النحيل وجبهته العريضة وحاجبيه الكثيفين، يكرر الطقوس ذاتها ويواكب التجارب المتنوعة لكثير من الأسماء الجديدة التي ثابر بعضها على الصعود والتطور المستمر، فيما آل بعضها الآخر إلى نسيان محقق. على أن عمله المرهق لم يكن ليُنسيه عاداته وسلوكياته الريفية التي زوّده بها مسقط رأسه في الجبل اللبناني، حيث لا يكاد زائرٌ ما يطرق الباب حتى يأذن له بالدخول ويستقبله بتهذيب بالغ طالباً إليه الجلوس بانتظار الانتهاء من تنقيح الأوراق والنصوص المعدّة للنشر في اليوم التالي. ولم يكن صاحب «نوتي مزدهر القوام» ليخيب ظن أحد من قاصديه الكثر، بصرف النظر عن أعمارهم ومشاربهم ومدارسهم الشعرية والنقدية المختلفة، لا بل إنه احتفى بالناشئين ممن لا يشبهونه في شيء، ومنحهم بسخاء بالغ المنبر الذي طالما حلموا باعتلائه. وحيث قام بالنسبة لهم، مقام الوالد، على ما يعبر المتنبي، بدا كأنه يعوضهم عما خسره هو بالذات من رعاية والده الدركي الذي خلفه على حين غفلة، تاركاً للصبي الذي كانه أن يرزح تحت وطأة اليتم المبكر، وأن يصاب بجروح في الروح سيكرس لاندمالها جلّ ما كتبه لاحقاً من قصائد ونصوص. وفي الكتاب الجامع الذي صدر أخيراً في بيروت تحت عنوان «شوقي أبي شقرا يتذكر»، ستكون أطياف الوالد حاضرة بقوة في غير مكان من السيرة، كما في مقدمة الكتاب التي يجيء فيها: «لي نجمتي ولي روح والدي الذي مضى إلى الأمس شاباً وهو يدلني في صحراء العمر على الواحة».

تكشف مذكرات شوقي أبي شقرا، التي صدرت عن دار نلسن منذ فترة، عن أسلوبه النثري الذي يحافظ، خلافاً لشعره، على تقاليد النثر العربي في سبكه المحكم ومتانته التعبيرية وإلحاحه على الفكرة عبر تكرارها في صيغ ووجوه مختلفة، كما تقدم بصفحاتها الثمانمائة وأبوابها المتعددة، صورة بانورامية واسعة عن الحياة الثقافية في لبنان في النصف الثاني من القرن العشرين. أما البورتوريهات الكثيرة التي قدمها الكاتب لملامح عشرات الكتاب والفنانين من أصدقائه الأقربين أو من المشتغلين في حرفة الكتابة، فهي أقرب إلى الانطباعات والمجاملات الشخصية منها إلى التقصي النقدي والقراءة المعمقة. وإذا كان من باب الإنصاف الاعتراف بالجهود المضنية التي بذلها أبي شقرا شاعراً وصحافياً ومثقفاً بارزاً في تنشيط الحياة الثقافية اللبنانية ومدها بأسباب الحيوية والتطور، فإن ذلك لا يحول دون التوقف ملياً عند المحطات التي يعمد فيها صاحب المذكرات إلى الغمز المتكرر من قناة زملائه ورفاقه في «شعر» وغيرها، إضافة إلى حملته المستهجنة على شعراء الوزن الذين يرفضهم «بالجملة» ويمتدحهم «بالمفرق»، كما يظهر في كثير من فصول الكتاب وفقراته. فهم في رأيه «لم يرعووا ولم يخجلوا ولم يصادفوا حرجاً حين يؤوبون بالقصيدة الحديثة إلى عالم الوزن والقافية، أو إلى التوافق مع التفعيلة». وهو بذلك يربط الشعر بعنصر واحد من عناصره الفنية، ويتناسى أن الشعر العظيم يتجاوز أشكاله الظاهرة لينفذ إلى الأعماق متسلحاً بلهب المخيلة وكشوف الداخل. لا بل إن مثل هذه الأحكام المتعسفة لا تجد ما يسندها في بواكير الشاعر الموزونة ذاتها، خصوصاً في «أكياس الفقراء» و«خطوات الملك». فمن يقرأ بعناية قصائد هاتين المجموعتين، الصادرتين تباعاً عامي 1959 و1960، لا بد أن يلاحظ الحساسية العالية التي يمتلكها شوقي إزاء الأوزان وجرْسها التفعيلي الإيقاعي، فضلاً عن طراوة اللغة وفرح التبشير التموزي بقيامة الحياة وربيعها المتجدد: «أتُرى أذهب ميلاداً وفصحا/ من هنا من عالمي المغمى عليهِ/ يحفر الحبّ على الأشجار قلبي بيديهِ/ لست أُمحى/ فأنا علبة نعْمى لثغور الفقراءِ/ ولكم يا أصدقائي/ سأرشّ الأرض قمحا/ وترفّ القبة البيضاء لي».

كما يكتنف هذه البواكير شعور بالرجاء تتفاوت مصادره بين الأسطوري المتمثل بصورة جلجامش السومري الباحث عن الخلود عبر «عشبة خلف البحار»، والديني المتمثل بصورة المسيح الذي يدحرج الصخرة من مكانها، كما يظهر في نصوص «خطوات الملك». ورغم قسوة الحياة على «الولد الضائع»، فإن ما يعتّمه المعنى المتصل بصورة الأب القتيل، يحمله الشكل إلى ضالته الغنائية المترعة بالعاطفة: «كلّ يوم نجمتي منطلقه/ بزياره/ للقاء الآخرين/ لترى يا أبتِ/ ولداً كالورقه/ كالمغاره/ ضائعاً خلف السنينْ/ هو في المنفى حزينْ/ في القبور المغلقه/ في خيام الفاتحينْ/ يصبغ الأحذية المحترقه/ بالمراثي/ وبألوان حبال المشنقه».

لكن أعمال شوقي اللاحقة، بدءاً من «ماء إلى حصان العائلة» ووصولاً إلى «تتساقط الثمار والطيور وليس الورقة»، ما لبثت أن انعطفت، وبقرار واعٍ على الأرجح، باتجاه مسارات ومسالك أخرى لا تكاد تمت بصلة إلى كتاباته الأولى. ليس فقط لأنها ركنت إلى قصيدة النثر خياراً حاسماً ونهائياً في كتابة الشعر، وهو ما كان قد سبق إليه أنسي الحاج ومحمد الماغوط، بل لأن الشاعر تنكّب في كتابته لغة ما قبل مدينية تتخذ من عالم الريف ونباتاته وحيواناته المختلفة مسرحها الملائم وضالتها المنشودة. فليس ثمة في معظم ما كتبه شوقي فيما بعد من صلة بواقع الحال أو باللحظة الراهنة في جزئياتها الساخنة وتفاصيلها المعيشية، بقدر ما تشي نصوصه بعوالم منقضية يتم استدعاؤها من مكانها الطبيعي في تربة الماضي، لتعاد صياغتها في فضاء التأليف الحاذق والسخرية المجردة. بات الشعر هنا انسلاخاً عن مجريات الحياة الفعلية واستدراجاً متعمداً للغرابة والإدهاش غير المستندين إلى ظهير قلبي أو معنى بعينه. أو هو نوع من فن «الكولاج» واللصق المشهدي الذي يتم تجهيزه بكثير من العناية والاحتراف، على طريقة الرسم الحديث أو أفلام الصور المتحركة.

وقد يحسب لأبي شقرا إثراؤه اللافت للمعجم الشعري التقليدي، ولغته الخاصة التي لا تمتح من مياه الآخرين، وجرأته البالغة في ربط الشعر بما هو منسي وغفْل من المحسوسات والتفاصيل، ولكن بعض نصوصه تفتقر إلى الفوران الداخلي للغة، وإلى الكهرباء التي تمس الشغاف، حيث يحل بدلاً منهما التركيب الصوري والطرافة المتعمدة. فإذا كنا نقع في «سنجاب يقع من البرج» على لُمح ذكية ومستساغة، من مثل «الشمس حمارة في الحساب/ كل مساء تغيب وتقع في الغلطة ذاتها»، فثمة بالمقابل نصوص ومقطوعات لا تتعدى كونها تمارين لغوية مجانية، وألعاباً ذهنية لا تجد ما يسوغها، كقول الشاعر: «البحيتيرة سمكةٌ طول نكتة/ طول شعرة من ذقني/ والبحيتيرة طفلي سيجيء: سلّمي يا حبيبتي عليه/ حبيبتي عالية 1500 متر/ تنام فتسكت الغيمات». كما نقرأ له في مجموعة «حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة» نصاً من مثل «الموظفون في مكتب أسفارنا مسطرة/ فتاحة للقناني/ كاوتشوكة/ رمانة/ تمّ السمكة/ سطل الدوار/ نصحح طريق العين/ سراجنا قصبنا للمصّ/ كفّنا للأصلع المعاق/ قرصة للضمير المنفصل/ قبلة للمتأخر، شورباء!».

من الواضح بالطبع أن شوقي أبي شقرا في معظم أعماله قد سعى جاهداً لإظهار نزوعه الطفولي السوريالي الذي يعبث بالعالم ويرفع الكلفة بين الجمادات والكائنات الحية. وهو بإصراره على استدعاء عالم الطفولة المشوش والحلمي بدا كأنه يحتج بطريقته الخاصة على فقدان أبيه، كما لو أنه «الابن المصبّر» في رواية فينوس خوري غاتا، أو الصبي الذي يريد أن يختبئ من درب الأعمار، وفق الأغنية الفيروزية. وإذا كان الجانب السوريالي من هذه التجربة يتمثل في تصيّد الدهشة وحشد الصور الغريبة وغير المألوفة، فإن الشاعر بالمقابل لا يستسلم لتداعياتها اللاواعية وعوالمه الحلمية كما يفعل السورياليون، بل يكتب نصوصه عن سابق تصور، وبوعي تام وحرفية واضحة، كما لو أن هناك تعارضاً ضدياً بين براءة الروح والرؤية الطفولية إلى العالم، وبين الكدح التأليفي والأسلوبي. ولعلني أميل إلى الاعتقاد بأن أسلوبه يتقاطع من ناحية مع المدرسة اللبنانية التي شغف أركانها بالأناقة والتنميق اللغوي، كما كان حال أمين نخلة وصلاح لبكي وفؤاد سليمان، ويتقاطع من ناحية أخرى مع المناخات الريفية والفولكلورية لمارون عبود.

ومع ذلك فلا بد من الإشارة أخيراً إلى أن كثيراً من قصائد شوقي أبي شقرا ونصوصه تتخفف من عبثيتها الظاهرة ولعبها المجاني، لمصلحة البوح الداخلي وتمزقات النفس المعطوبة والباحثة عن رجاءٍ ما. وقد تكون مجموعة «ثياب سهرة الواحة والعشبة» هي من بين الأعمال الأكثر إصابة لمعنى الشعر، والألصق بمعاناة الشاعر ومكابداته.

Loading...

Leave A Reply

Your email address will not be published.