Loading...

رؤية العالم من منظار أهل الجنوب

0

رؤية العالم من منظار أهل الجنوب

برتران بادي يستكمل مشروعه في تفكيك النظام الدولي

الخميس – 11 شهر رمضان 1440 هـ – 16 مايو 2019 مـ رقم العدد [
14779]

بيروت: «الشرق الأوسط»

في كتابه «عندما يعيد الجنوب اختراع العالم» الصادر عن «مؤسّسة الفكر العربي» وتولّى ترجمته إلى العربية الدكتور جان جبور، يستكمل الباحث الفرنسي برتران بادي، المشروع الذي بدأه سابقاً في تفكيك النظام الدولي الحالي ونقده، بدءاً من كِتابه الشهير «زمن المذلولين» (2014) وحتى الكتاب الأخير «لم نَعُد وحدَنا في العالم» (2016)، وتولّت مؤسّسة الفكر العربي ترجمته أيضاً، والذي أشار فيه إلى أنّ القوى القديمة عاشت لفترة طويلة في وهمٍ هو أشبه بالهوس، بأنّها تقود العالم وتختصره بمفردها، وأنّ العلوم السياسية بمنحاها الرسمي كانت في الواقع إسقاطاً لهذا التاريخ الأوحد لغرب يمتدّ على مرّ القرون.
المؤلف هو أستاذ العلوم السياسيّة وأحد أبرز الاختصاصيين في مجال العلاقات الدولية. ويسعى في كتابه الجديد للنظر إلى العالم بمنظار الجنوب، وإخراجه من التهميش الذي يُدفع إليه، من خلال تسميات تُلصق به مثل «العالم الثالث»، و«المناطق الطَرَفية»، وغير ذلك. إنّ فكرة هامشيّة الجنوب لم تعد تتوافق البتّة مع الواقع الدولي المعاصر، وحين نبذل بعض الجهد للنفاذ إلى داخلية الفاعلين في هذا الجزء من العالم، لا بدّ من أن تتكشّف لنا مجموعة من الأفكار والتمثّلات التي يتمّ تجاهلها. وندرك أخيراً أنّ الجنوب يمتلك بالفعل القدرة على إعادة تشكيل المشهد الدولي بشكلٍ يجعل من الأنماط التي يعتاش عليها أسياد الشمال، نماذج قد تخطّاها الزمن.
يسعى الكِتاب للإجابة عن 3 مسائل: أولاً ما يتعلّق بهويّة «الجنوب». فقد كان هناك زمن ساد فيه الانقسام العمودي بين «الشمال» و«الجنوب»، عندما واجه نظام وستفاليا القديم «بقية العالم»، ذاك الجزء الذي بقي خارج النظام الدولي التأسيسي الذي اختار أن يضعه عمداً في مرتبة أدنى، إمّا من خلال استعماره، أو من خلال وضعه تحت أشكال من الوصاية المعقّدة.
المسألة الثانية تتعلّق بطبيعة هذا المسار، بهذا الدخول البطيء إلى العالم، الذي نتناسى أنه كان مصدراً لعمليات فشل متتالية لا نزال ندفع ثمنها غالياً إلى اليوم. فشلُ إنهاء الاستعمار الذي كان في كثير من الأحيان دراماتيكياً، ولا يزال عنفه يؤرق الذاكرة، فنراه يستيقظ عند أي مفترق. فشلُ بناء الدول حين أُنجز تحت ضغط الاستعجال، من خلال التقليد المتسرّع للنماذج الموروثة عن المستعمِر السابق. فشلُ القادة، أصحاب الشخصية الضعيفة أحياناً، أو على العكس من ذلك، المنقادين لأبشع أنواع الاستبداد. فشلٌ في إدماج هذه الدول الجديدة في نظام دولي قديم لم يكن يرغب في التخلّي عن أي شيء أو المشاركة في أي شيء حين دخل إليه الوافدون الجدُد. فشلٌ في توسيع فكرة السلام، التي أُطلق عليها اسم «التعايش السلمي» من جهة، لتُخلِّف ملايين القتلى من جهة أخرى، في أعماق جنوبٍ اخترع أشكالاً جديدة من الصراعات.
المسألة الثالثة تتعلّق بالنتائج، إذ عقب إنهاء الاستعمار، أدخلت العولمة في غضون بضع سنوات ثلثي البشرية في لعبة دولية كانت قد استبعدت عنها حتى هذا التاريخ، مع ثقافاتها التي تعود لآلاف السنين، ومشكلاتها الخاصّة بها، وذاكرتها المشحونة بعمليات الإذلال المتكرّرة. كيف يمكننا أن نتصوّر أنّ هذا الاقتحام لا يعدو كونه مجرّد حدث هامشي؟ هل يمكن أن نستمرّ كما لو أنّ شيئاً لم يحدث، فنستحضر دورياً مؤتمر فيينا الذي أبرز بشكلٍ صارخ عام 1815 الصعود الذي لا يقاوم للقوى القديمة؟ إنّ هذا الأمر قد يدغدغ مشاعر كثيرين في أوروبا أو أميركا الشمالية. ومع ذلك، من الواضح أنّ الوصفات القديمة لم تعد صالحة، وأنّ ما من أحد يربح الحروب اليوم، وأنّ هذه الأخيرة تنحو لأن تدوم إلى ما لا نهاية. من الجلي أيضاً أن المفاهيم القديمة لم تعد تتمتّع بالأهمية التي كانت لها فيما مضى. فالسيادة، والأمّة، والقوّة، والأرض لم تعد تمتلك المتانة والوضوح اللذين تميّزت بهما سابقاً. إنّ ضعيف الأمس ينتمي إلى الأمس الغابر: إمّا لأنّه أصبح قويّاً، على غرار كثير من الدول الناهضة، أو لأنّ ضعفه يوفّر له الآن موارد هائلة.
يخلص الكاتب إلى أنّه لا بدّ من السعي الجادّ لبلورة نظام عالمي حقيقي، إذ لم يعد من الممكن اليوم تصوّر عِلم يُعنى بالشؤون الدولية من دون بذل هذا الجهد المتواصل والدؤوب لإعادة بناء خصوصية كلّ الفاعلين، مع إعطاء الأولوية لأولئك الذين ينتمون إلى تاريخٍ آخر. في مواجهة العالم كما هو عليه اليوم، عالم متنوّع ومتفاعل، حان الوقت لإفراد مكان لـ«الدخيل»، ذاك الآتي من «الجنوب»، من المناطق الطَرَفية، من خارج المجال المعترف به رسمياً، من هذه الأماكن التي لم يتسنّ لها «دخول التاريخ». لقد حان الوقت لاستخدام أساليب السوسيولوجيا التفهّمية لكي نتعرّف إلى رؤى وخطط أولئك الذين كانوا يتشاركون الرغبة في دخول نظامٍ لم يكونوا ينتمون إليه.
وبدعوة مشتركة من جامعة القدّيس يوسف والمركز الفرنسي في لبنان ومؤسّسة الفكر العربي، ألقى البروفسور برتران بادي في بيروت، محاضرة بمناسبة صدور الكتاب تحت عنوان «القوميات والشعبويات في عالم معَولم»، حضرتها شخصيات أكاديمية وثقافية وطلاب جامعات.
تحدث بادي عن التيّارات الشعبوية والقومية، التي تشهد حالياً تنامياً ملحوظاً، مستعرضاً مسيرة نشوء وتطوّر مصطلح الشعبويّة والجذور التاريخيّة للتيّارات الشعبويّة المعاصرة. وأوضح أنّ الشعبويات ليست عقيدة بل عقائد، وغالباً ما تكون متباينة ومختلفة، وهي ليست سياسة عامّة ولا نظاماً سياسياً، بل تشير إلى وضع مأزوم ومَرَضي، ويمكننا أن نسعى إلى تحديد هذه الأعراض الشعبوية المرضية، ولكنّنا لا نعني بذلك أن الشعبويين مرضى، لكني أقول إنّ التحرّكات الشعبوية تعكس حالة مرضية.


لبنان


كتب

Loading...

Leave A Reply

Your email address will not be published.